القرطبي
18
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم تشهدون ( 84 ) فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : " وإذا أخذنا ميثاقكم " تقدم القول فيه ( 1 ) . " لا تسفكون دماءكم " المراد بنو إسرائيل ، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم . " لا تسفكون " مثل " لا تعبدون " ( 2 ) في الاعراب . وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة ، وأبو نهيك " تسفكون " بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين . والسفك : الصب . وقد تقدم ( 3 ) . " ولا تخرجون " معطوف . " أنفسكم " النفس مأخوذة من النفاسة ، فنفس الانسان أشرف ما فيه . والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال . وقال الخليل : كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية . وقيل : سميت دارا لدورها على سكانها ، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه . و " أقررتم " من الاقرار ، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم . " وأنتم تشهدون " من الشهادة ، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل : الشهادة بمعنى الحضور ، أي تحضرون سفك دمائكم ، وإخراج أنفسكم من دياركم . الثانية - فإن قيل : وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره ؟ قيل له لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها . وقيل : المراد القصاص ، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا ، فكأنه سفك دمه . وكذلك لا يزني ولا يرتد ، فإن ذلك يبيح الدم . ولا يفسد فينفي ، فيكون قد أخرج نفسه من دياره . وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى . وإنما كان الامر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا ، ولا ينفيه ولا يسترقه ، ولا يدعه يسرق ، إلى غير ذلك من الطاعات .
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 436 . ( 2 ) راجع ص 13 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 1 ص 275 طبعة ثانية .